حرية المرأة والرجل في الأسرة.
لاشك أن الحرية فضيلة محببة بحدودها التي لا تخرجها عن ضوابطها ، وإلا حرمت الناس من الأمن والسعادة، ولهذا قال الخليفة الأولى ، أبو بكر الصديق : " قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أساأت فقوموني ، الصدق أمانة والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي حتى أخذ الحق له ، والقوى فيكم ضعيف حتى أخذ منه الحق إن شاء الله .
حرية الزواج والمساواة :
وهذا في النصوص الإسلامية واضح كما أنه واضح في القانون الدولي والطبيعي .
المساواة بين الرجال والنساء في الأمور القابلة لذلك ، كضرورة المساواة بين النساء والرجال في حق الزواج ، فلا فرق بين ملون وأبيض ، ولا بين جنسية وأخرى قال : " الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى . كلكم لأدم و آدم من تراب " .
وقال : " إنما النساء شقائق الرجال " . والنصوص الشرعية في هذا لا تتسع لها هذه
المقارنة .
الحرية في القانون الدولي يجب أن تنصرف إلى حرية الفتاة في اختيار زوجها فلا تجبر على الزواج بمن تكره أو بمن لا ترتضيه ، وهذا ما ضمنه الإسلام للنساء فقـــد روى البخاري ومسلم أن النبي الله أبطال الزواج خنساء بنت حزام الأنصاري إذ زوجها أبوها وهي بكر فكرهت ذلك
وحتى يضمن النبي للفتاة حق الاختيار منع الزواج بغير رؤية سابقة ورد من تزج خلافاً لذلك وقال له : * ارجع فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " رواه البخاري ومسلم .
كما يجب أن ينصرف النص الدولي إلى المساواة والحرية فيما تملكه الفتاة أو الزوجة من أموال سواء آلت إليها عن طريق العمل أو الميراث .
الإسلام وسنفصل هذا فيما بعد فتشريعات أكثر الدول تجعل الزوجة تابعها لزوجها في أموالها ، وليس ذلك مـــن كما يجب أن تنصرف الحرية والمساواة إلى تحرير الزوجة من التبعية لزوجها في اسم العائلة الأمر الذي كفله الإسلام وأهدرته النظم العالمية كما سنبرزه في موضعه ..
كما يجب أن تنصرف الحرية إلى حرية الزوجة في الانفصال عن زوجها إذا : استحالت الحياة الزوجية وهذا ما ضمنه الإسلام انطلاقاً من قاعدة أصيلة في قول الله : ( لا إكراه في الدين ، وبالتالي فلا إكراه فيما هو دون ذلك ولهذا قال الله تعالى : ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولكن الشرائع الغربية تحرم الزوجين من حرية الانفصال إلا لأسباب محددة وهذا ما اختلت به الحياة كما سنفصله .
. كما أن قوانين الأحوال الشخصية في بعض البلاد العربية قد تأثرت بمرض التقليد والجمود الذي ساد الفقه فترة من الزمان فبعضها حرم الزوجة من حق الطلاق نهائيا وبعضها حدد أسباباً للتطليق تتطلب إثباتاً ماديا من شهود أو غيره متجاهلاً أن الحياة الزوجية مسرحها داخل البيت لا خارجه ، ومن ثم فتطلب الشهود غير مقبول إلا أن يكون المشرع قد أضفى شرعية على الشهود المأجورين والموجودين أمام باب المحاكم في بعض البلاد .
وأخيرا فالحرية لا تعني الانطلاق بغير ضوابط ، فالحياة داخل الأسرة ترتب التزامات متبادلة والحياة الاجتماعية في أي دولة تلزم المواطنين بل المقيمين بقواعد هذه الدولة وقوانينها ، وهذه قيود على الحرية .
فمثلاً . من نتائج الزواج في القانون الفرنسي انعدام أهلية المرأة في القانون القديم و انتقاص فقط لأهليتها في حدود القيود التي وضعها التعديل الصادر سنة ١٩٤٢.
هل الولاية في الزواج قيد على الحرية
وردت نصوص إسلامية تطلب أن يكون للمرأة ولى عند زواجها حتى يتم عقد الزواج ويكون صحيحا ، ولكن اجتهاد العلماء فى هذا الأمر مواقف متباينة ، ومن ذلك قاعدة القاضي ولي من لا ولى له * والقوانين في البلاد الإسلامية اختلفت في هذا الأمر تبعا لاختلاف العلماء ، فأخذ القانون المصري والعراقي بحق المرأة في تزويج نفسها بغير ولى ، وأخذ بنص القانون رقم ۱۹۷۸/۲۱ الذي عدل المادة التاسعة ، فأصبح نصها " لا يحق لأي من الأقارب أو الأغيار إكراه أي شخص ذكرا كان أو أنثى على الزواج دون رضاه، ويعتبر عقد الزواج بالإكراه باطلا إذا لم يتم الدخول " ونصت المادة على معاقبة من خالف ذلك بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات وبالغرامة أو أ د هاتين العقوبتين . وهذا يستند إلى ما رواه الجماعة عن النبي في قوله : " لا تنكح الايم حتى تستامر ولا البكر حتى تستأذن ، قالوا يا رسول ؟ وكيف إذنها ، قال : أن تسكت .
وأخذ بعض الدول الإسلامية بولاية الإجبار ، أي إجبار الأب أو الد الفتاة على الزوج حسب هواه ، ويسندون ذلك إلى مذهب الإمام مالك . ويستدلون بقوله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل :
يقول ابن القيم : " إن البكر البالغة العاقلة الرشيدة : لا يتصرف أبوها في أقل شيء من ملكها إلا برضاها ، ولا يُجبرها على إخراج اليسير منه بدون إذنا ، فكيف يجوز أن يخرج نفسها منها بغير ضاها ؟ ومعلوم أن إخراج مالها كله بغير رضاها أسهل عليها مـــن تزويجها بمن لا تختاره .
ونحن لا نريد بذلك أن يكون أمر الزواج كله رهناً برغبة البنت وما قد يعرض لها في بعض الأحيان من الخِفَّةِ وقِلَّةِ الخبرة أو سوء التقدير ، وإنما الذي نريده أن يكون الأمر شورى بينها وبني ولي أمرها وأمها ، لأن عقد الزواج لا يربط بين زوجين فحسب ، بـــل أيضاً بين أسرتين برباط المودة والمحبة . ولا ينبغي في عقد هذا شأنه أن يهمل فيه يجمع رأي الولي أو يتغاضى فيه عن رأي المرأة ، وبذلك تنتظم العلاقات الأسرية ، وينقطع سبب لسباب النزاع والشقاق فيها .
" وبهذا الوضع ، لا نرى أباً يستبد بسلطان الأبوة في تزويج بنته دون تعرف رضاها ولا رضا أمها ، ولا نرى فتاة تخرج عن سلطان أبيها وأمها ، وترتبط بزوج لا يعرف أهلها شيئاً عنه ، وكلا الأمرين قد يؤدي إلى فتن لا تقف عند حد : تنتحر الفتاة ، أو تتمرد على الزوج الذي أكرهت عليه ، تقيم أمها حرباً شعواء على الزوج والأب معاً ، فيفسد البيتان ، وتشقى الأسرتان ، يتملك الأب الغضبُ لكرامته ، فيفتك بابنته ، أو بمن اختارته زوجاً لها دون أمره ۰
هل الحرية بغير ولي مطلقة في الزواج :
حرية الفتاة في الزواج لا تعني استبدادها به بل عليها أن تستشير والديها وأن تأخذ إذنهما خصوصاً في سن معينة من مراحل حياتها، وفي زمن كثر فيه الخداع وقلــت فيـــه المروءات ، فولاية الأسرة على الفتاة تقتضيها الحياة الاجماعية .
فيجب أن يكون هناك من القوانين ما يمنع الخداع والتدني ويحكم كثيراً مــن التجاوزات وقد أخذت الكثير من الدول بذلك
فالقانون الألماني ينص على أنه إذا رفض الولي إعطاء الإذن بالزواج للبالغ فللأخير أن يلجأ إلى المحكمة لتأذن له بالزواج إذا تين لها أن الرفض لا يستند إلى أسباب هامة مادة
والقانون السويسري يشترط إذن المحكمة ورضا الولي والأقارب إذا كان الزوج دون سن العشرين أو كانت الزوجة أقل من الثامنة عشرة وبشرط وجود أسباب هامة للزواج ( مادة ٩٦ من قانون الموجبات السويسري ).
والقانون النمساوي يشترط الإذن في الزواج فإن كان الولي غير موجـ أهل لذلك أذن القاضي ( مادة / ٤٩) والإسلام يفرق بين البكر التي لم يسبق لها الزواج وبين الثيب التي سبق أن تزوجت ثم طلقت أو مات عنها زوجها فالأولى لا تعقد زواجاً إلا بإذن وليها وأيضاً لا يستيد وليها في تزويجها بل يستأذنها وسكوتها وعدم إبداء الرأي يكفي تقديراً لحيائها .
أما الثانية فهي أولى بنفسها من وليها ولها أن تتزوج بغير إذن منه والولاية ليست للاستبداد ولا تتنافى مع الحرية بمفهومها الاجتماعي ، فأي مجتمع تكون الأسرة هي لبناته لا يهمل هذه الأسرة التي تتمثل في الوالدين وكبار أفراد العائلة وبغير هذا الترابط تنحل المجتمعات ، وتعود العلاقات غير الشريفة . وأي مجتمع يهمل راي الوالدين نهائيا ينتهي بزوال هذه الأسرة ، وهذا ما ساد في المجتمعات اللادينية حيث لا يعرف الأبناء لهم أباً ولا أما ، وفي ظل الأسرة يجب الرجوع إلى الوالدين فنصيحة الوالدين واجبة وذلك لخبرتهما وللرابطة العائلية . وإذا كان صغر السن سببا في تدخل أي من الوالدين ، تدخلا يحول دون الشروع في الزواج إلا بإذنهما ، فإن الفتاة البالغة الرشيدة لا يجب أن تعامل كالصغيرة وفي الوقت نفسه لا يجب أن نستبعد النصح لها ، وهذا ما يدركه أهل الرأي فالمستر بنتام يقول ) ينبغي أن يكون للوالدين الحق في إبداء النصح للأبناء ، وتأخير الاقتران مدة يتمكن فيها الشباب من التروي لأن الاقتران أمر مهم ، يجب الاستعانة فيه بالآباء ، خصوصاً بالنسبة للبنات وإلا حصل خطأ. جسيم تسوء عقباه ) .
والإسلام إذ يوجب الكفاءة في الزواج فما ذلك إلا حفاظا على الأسرة من التصدع بسبب فوارق السن والفوارق الاجتماعية . والكفاءة في الإسلام لا تعني إعطاء صاحب المال قيمة عن غيره فالنبي الله يقول " إذا خطب أحدكم إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إلا تفعلواه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . . والأمر للأولياء الذي جعلهم الإسلام نواباً عن الفتاة في إبرام العقد وهم لا بد لهم من الرجوع إلى الفتاة إذ لا حق لهم في تزويجها بغير رضاها.